الشيخ الطبرسي
111
تفسير مجمع البيان
ما كنت مسلطا عليه ، فلا أمر لي ، ولا نهي . ثم أخبر سبحانه إنه يقول للملائكة : ( خذوه فغلوه ) أي أوثقوه بالغل وهو أن تشد إحدى يديه ورجليه إلى عنقه بجامعة ( ثم الجحيم صلوه ) أي ثم أدخلوه النار العظيمة ، وألزموه إياها ( ثم في سلسلة ذرعها ) أي طولها ( سبعون ذراعا فاسلكوه ) أي اجعلوه فيها ، لأنه يؤخذ عنقه فيها ، ثم يجر بها . قال الضحاك : إنما تدخل في فيه ، وتخرج من دبره . فعلى هذا يكون المعنى : ثم اسلكوا السلسلة فيه ، فقلب كما يقال . أدخلت القلنسوة في رأسي . وقال الأعشى : ( إذا ما السراب ارتدى بالأكم ) ( 1 ) وإنما ارتدى الأكم بالسراب ، ولكنه قلب . وقال نوف البكالي : كل ذراع سبعون باعا ، والباع أبعد مما بينك وبين مكة ، وكان في رحبة الكوفة . وقال الحسن : الله أعلم بأي ذراع هو . وقال سويد بن نجيح . إن جميع أهل النار في تلك السلسلة ، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب من حرها . ثم قال سبحانه : ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ) شأنه أي لم يكن يوحد الله في دار التكليف ، ولا يصدق به ( ولا يحض على طعام المسكين ) وهو المحتاج الفقير . والمعنى : إنه كان يمنع الزكاة ، والحقوق الواجبة ( فليس له اليوم ههنا حميم ) أي صديق ينفعه ( ولا طعام ) أي ولا له اليوم طعام ( إلا من غسلين ) وهو صديد أهل النار ، وما يجرى منهم ، فالطعام هو ما هئ للأكل ، ولذلك لا يسمى التراب طعاما للإنسان . فلما هئ الصديد لأكل أهل النار ، كان ذلك طعاما لهم . وقيل : إن أهل النار طبقات : فمنهم من طعامه غسلين . ومنهم من طعامه الزقوم . ومنهم من طعامه الضريع ، لأنه قال في موضع آخر ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) . وقيل : يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين ، فعبر عنه بعبارتين ، عن قطرب . وقيل : يجوز أن يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع ، ولا شراب إلا من غسلين ، كما قال الشاعر : علفتها تبنا ، وماء بارد * ( 2 ) ، حتى شقت همالة عيناها
--> ( 1 ) الأكم جمع الآكام : التل . ( 2 ) هذا المصراع يجعله بعض العلماء صدرا ، ويحمل عجزه ( حتى ثقت ) كما في الكتاب . ويجعله بعضهم عجزا ، ويجعل صدره ( لما حططت الرحل عنها واردا ) ومعنى المصراع ، علفتهما تبنا وسقيتهما ماءا ) على تقدير عامل محذوف وجعل الواو عاطفة ، عطفت جملة على جملة . أو إن المراد من قوله : ( علفتها ) أعطيتها . فالواو عاطفة أيضا ، وقد عطفت مفردا على مفرد .